الخميس، 30 يوليو 2015

الخديعة الكبرى

الخديعة الكبرى

العالم مصابٌ بالتلوث، سوى جزيرة في مكانٍ ما، يتمّ انقاذ من يمكن انقاذه من هذا التلوث وجلبه إلى منشأة معزولة، ليعيش فيها إلى أن يحظى بفرصة مغادرتها إلى الجزيرة، عن طريق قرعة يجريها المسؤولون، لكن..
يتضح فيما بعد أن قصة التلوث والجزيرة مجرد كذبة لا أساس لها من الصحة، وأن هؤلاء الموجودين إنما هم بشرٌ مستنسخون يستخدمون كمزودي أعضاء لشخصياتهم الحقيقية !
يفلت من هذه المنشأة شخصان، فيريان أن ثمة حياة حقيقية في الخارج، وأن كل الذكريات والحياة التي كانا يتذكرانها مجرد انطباعات تمّ برمجة عقليهما بها..
حياة كاذبة.. ذكريات كاذبة.. هذا ما يصوره فيلم ( ذا آيلاند The Island )..

تساءلت : هل حقاً نحن نعيش عالماً حقيقياً، أقصد عالماً يمتلك فيه الإنسان حريته وإرادته، أم أننا معزولون في فقاعة كبيرة، كما في الفيلم، نبرمج وفق ما يراد لنا من قبل الملأ الذي يمتلك أعتى قوى الخداع والزيف ؟
من يقول أصلاً أننا نعيش عالماً حراً ؟
طبعاً هناك تفاوت هنا وهناك، شرقاً وغرباً، فيما يخصّ الحرية، ولكن الأمر يبقى نسبياً لا أكثر.. وتبقى الحقيقة أننا نعيش داخل فقاعة الخديعة الكبرى !
فقاعة تتلألأ فيها الأضواء.. ويبهر بريق الأشياء العيون.. وقت الفراغ.. أجساد ناعمة، تسوّق.. إعلانات تختطف الأبصار..
نعيش عالماً من الاستعباد ولكن بطريقة مختلفة، أكثر حداثية.. لم يعد هناك صنمٌ لهبل أو لآلهة الرومان أو لنار المجوس، وإنما صنم من أشياء أخرى أكثر قدرة على المراوغة والخداع !
أصنام لا نشعر بها وهي تتغلغل في أعماقنا.. تشكل قيمنا وأخلاقنا وتصوراتنا وتوجّه سلوكنا..
والحقيقة أن البشرية عبر تاريخا الطويل كان يعيش داخل هذه الفقاعة، لم يستطع الافلات منها إلا في لحظات الاستجابة للنداء الإلهي، حينها ركّبوا على أعينهم عدسات جديدة ترى الأمور بوضوح، وباتوا يرون ما لا يراه الآخرون.. قد يبدون حينها غرباء.. بل هم كذلك.. لكنهم في النهاية أصحاب الرؤية الصادقة الصافية، وربما هذا ما يفسر لنا ذلك التمسك العنيد لقيمهم ومبادئهم، بل والتماسك بهما لمواجهة ظروفاً يبدو تحملها شيئاً من الخيال، لكنهم تحملوها فعلاً وخرجوا منها أقوى من ذي قبل !
على مدار التاريخ الطويل، كان البشر يمشون في الأرض كالأموات الأحياء كما في أفلام الرعب !
كان القلب ينبض والدماء تتدفق والخلايا تتجدد، ولكن دونما جدوى.. كان القلب والخلايا مجرد آلات صماء.. بيولوجياً حي، وروحياً ميّت..
بدأت الأنفاس تتصاعد.. بحرارة هذه المرة، بدأ القلب ينبض وهو يضخّ القيم والروح مع الدماء، بدأت العينان تبصران ألواناً جديدة.. تراكيب جديدة.. مفاهيم جديدة.. نوراً.. كان ذلك عندما أنصت ذلك الإنسان لصوت الوحي الإلهي وصار يبني فكره وعقله وسلوكه عليه.. ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )..
على مدار التاريخ.. كان الإنسان ضائعاً، إلا في لحظة الاستجابة.. لحظة الخروج من الفقاعة والانفلات منها..
وعلى مدار التاريخ.. كان أقوى تلك الاستجابة، وأشدها انفلاتاً من ضغط تلك الفقاعة اللمّاعة، على يد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم.. مثنى وفرادى.. ها هم ينسحبون بكل قوة وشجاعة، بكل إصرارٍ وتحدٍ، يمزقون ستر الغشاوة والظلام المطبق، يبصرون النور، يتحدون معه..
ثمّ يملؤون الأرض نوراً..

ولكن مع الأسف.. شيئاً فشيئاً عدنا ندخل في الفقاعة مرةً أخرى..
كان دورنا أن نجلس خارجها ونسحب من نستطيع سحبه منها، أن نخرجه من جحر الضبّ، لنريه أن هناك عالماً أكثر سعة وأكثر ضوءاً وأسطع حقيقة..
كان هذا دورنا.. ولكن..
لم ندخل الفقاعة ثانية فحسب، بل صرنا نحجز مركزها العميق السحيق !

من يقول أننا نعيش عالماً حراً ؟
ألسنا نعيش عصر إسكات العقل والقلب، وتقديمهما قرباناً في مذبح الغريزة الحيوانية ؟
ألسنا مخدوعين بالإعلام وأضوائه البرّاقة.. بالاستهلاك والتسوق وتكديس الأشياء، ما نحتاجها وما لا نحتاجها، واللهاث وراء التخفيضات الموسمية ؟!
ألسنا نرى السعادة بيتاً وسيارة وزوجة تشبه فتيات الإعلانات ؟

إن الحقائق في واقع الأمر صادمة، عندما تكتشف أنك واقع في شباك التزوير والخداع.. ستحاول فتح عينيك لعلّك مخطئ.. ستفركهما.. لكن عليك أن تواجه الحقيقة.. لأن إنكارها لن يحلّ المشكلة بل يزيدها إشكالاً..
نعم.. ستكتشف أنك تعيش تزويراً عبقرياً..
ستكتشف أن الديمقراطية ليست أن تدير الجماهير شؤونهم تحت مظلة إعلام حرّ منفتح، بل هي كما قال ناعوم تشومسكي في كتابه ( السيطرة على الإعلام ) : ( أن يمنع العامة من إدارة شؤونهم وكذا من إدارة وسائل الإعلام التي يجب أن تظل تحت السيطرة المتشددة ).
إنها لعبة متقنة ككل اللعب الأخرى، حيث يسيطر الملأ على وسائل الإعلام وشركات عابرة القارات وجماعات الضغط ( اللوبي ) ورؤوس الأموال.. والرأي العام !
فبعد أن يحشروا دماغ الناخب بما يريدون، ويبرمجوه وفق ما يشتهون، ويغسلوا دماغه من خلال الكذب الرخيص أو تركيز الضوء على المطلوب وإبعاده عن المرفوض.. يطلقوه هذا الناخب قائلين له : إذهب واختر بحرية تامّة !

ستكتشف أن البكاء على محدودية الموارد الطبيعية مجرد كذبة خبيثة، سيرددون لك مقالة توماس روبرت مالتوس على أن أعداد السكان في العالم تميل إلى الزيادة، بينما كميات الطعام تقل، وغرضهم من ذلك أن يمسكوا على زمام الاقتصاد والسوق من جهة، ويبرروا قتل الأبرياء من جهة أخرى، فلا بأس بموت قسمٌ من الناس الزائدين لعيش القسم الآخر برفاهية !
بينما الحقيقية أن موارد الطبيعة تكفي العالم جميعاً إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.. وهم يعلمون بذلك.. ولذا يرمون ملايين الأطنان من الطعام في البحار، حتى يسيطروا على أسعار السوق، بينما الملايين يموتون جوعاً بشكل حقيقي لا مجازي !
ولا تتصور أنك سترفض هذا المفهوم، فإنهم يمتلكون أدواتاً تجعلك تتقبل الأمر بسهولة وبراحة ضميرٍ أيضاً، فهل تريد أن تبقى وأولادك في مجاعة مهلكة ؟
يزودون دولنا بالسلاح وآلات القتل بمليارات الدولارات لنقتل بعضنا بعضاً، لكنهم لا يدعمونا لتنمية أراضينا وزراعتنا، ثم يقولون أن موارد الطبيعة ستنفذ !.. يقول المفكر الفرنسي روجيه غارودي في كتابه ( نحو حرب دينية " جدل العصر " ) : ( إن النفقة التي ينبغي أن تُدفع لإخصاب الصحراء تمثل سدس ما قدمته الولايات المتحدة من أسلحة للبدان النامية في 1992 ( 15 مليار دولار ).. ).

بينما يلعب الإعلام أخطر وسيلة في تغيير نمط الحياة بالكامل، وإدخال المشاهد في حالة غيبوبة دائمة..
فمن جهة يحشر في عقل وقلب مشاهده رسالة مفادها أن القيمة الاساسية في الحياة هي أن يتوافر لديك أكبر كمية من السلع، وأن تتبنى قيماً لطيفة مثل التناغم والهوية الأمريكية، كما يقول تشومسكي، في تطبيعٍ صارخ مع المادية، فما عليك إلا أن تشاهد فتاة الإعلانات الجذابة وهي تعرض منتجاتها مع مفاتنها، وثمّ.. ما عليك سوى الركض مباشرة لشراء ذلك المنتج، إن كنت تحتاجه أم لا !
حتى أن مقدمات نشرة الأخبار بتن عارضات أزياء لا أكثر !
فالمواطن اليوم ليس مستهلكاً فحسب، بل هو مستهلك مخدوع متخبّط !
يظنّ نفسه دائماً فقيراً.. معدوماً.. قياساً على ما يمتلك الآخرون وما يحظون به، لديه سيارة، لكن جاره لديه سيارتان، لا مشكلة في جهاز تلفازه، إلا أن تلفاز أحد أقربائه أكبر من تلفازه بثلاث أو أربع بوصات، فيزاد لهاثه وركضه وراء الشراء والتكديس، فليس المهم أن تشتري ما تحتاج بل ما تريد !

والإعلام صار يقدم للمشاهد وجبات جاهزة لإشباع أدنى غرائزه الحيوانية، من أفلام ومسلسلات العنف والجنس، وستار أكاديمي، حتى أن أفلام الكارتون التي يشاهدها الأطفال بات ملغماً بالعنف والجنس، فـ 29.6 % من هذه الأفلام يتناول موضوعات جنسية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، و 27.4 % منها يعالج الجريمة والعنف والمعارك والقتال الضاري، و 15 % منها يدور حول الحب بمعناه الشهواني العصري المكشوف !
يقدم برامج غسل الدماغ، حيث يتلاعب الخبراء والمختصين بالأخبار والتحليلات، فيقدمون هذا ويؤخرون ذاك، يضعون ما يريدون في دائرة الضوء والاهتمام والتركيز، ويعتّمون على ما لا يريدون..
كما أن الإعلام تحول إلى سوقٍ كباقي الأسواق، لبيع الحقائق كما تباع المنتجات المتنوعة، وباتت كبرى وكالات الأنباء الغربية ـ يقول غارودي ـ تفرز وتحدّد للعالم كل ما يراه، وما لا يجب أن يراه، وذلك ضمن الحجم والتركيز والتكرار الذي تراه هي فقط..
لقد أصبحت السياسة الكبرى في عصرنا الحالي ـ والكلام لغارودي ـ كيفية إعداد شعب وتهيئته بشكل جيد للدخول في العبودية ( من اليمين إلى اليسار ) وذلك عبر الشاشة الصغيرة وهو دائم الابتسام في سعادة وغفلة ! وإذا كان يسيراً التحكم بالشعب الجاهل، فإن القيام بذلك عبر جهاز التلفزيون يصبح أكثر سهولة..
ومن غير الصحيح الادّعاء بأن ( الجمهور يريد هذا ) وأن ( الشباب يطلب هذا )، بل إنهم يدفعونهم للتكيف مع طلب ( هذا )، إذ لا يقدمون لهم سوى ( هذا )، وهم بالطبع يدفعون بهم إلى الحضيض الفكري والخلقي..

ستكتشف أن القلق والخوف أصبحا صناعة، حيث يجعلون الناس يعيشون في قلق وخوف مستمرين تحت إشاعات الإرهاب والهجوم المحتمل، وإذا خاف المرء صار أكثر قدرة على التنازل والتضحية، وحينها يمكن للملأ أن يملي شروطه بحجة الحماية من شبح الإرهاب، فيضطر الناس تحت الخوف من التنازل عن حرياتهم وشيئاً من حقوقهم للعيش في أمان مصطنع !
فالمواطن الأمريكي سيقبل أن يتنازل شيئاً من حريته وحقوقه على أن يأمن على نفسه داخل منزله من طائرة يقودها إرهابيون.. كما سيقبل المواطن العربي أن يقسم وطنه ـ المقسم أصلاً ـ إلى شظايا من أجل أن يحظى براحة البال ومستقبل أفضل كما يتوهم !
فمن السهل قبول تضحية مستقبلية بدل تضحية عاجلة، كما يقول تشومسكي..

ستكتشف أن دفن الإناث وهم أحياء لم يكن من عادات بعض العرب فحسب، بل أصبح دفن الإناث والذكور معاً من أخلاق العصر الحديث.. عصر التنوير والإنسانية !
لا أريد أن أذكر الإحصاءات عن وفيات الأطفال في العالم بسبب الجوع والفقر والمرض، وهي متوفرة عندي، لسببٍ بسيطٍ جداً وهو أن الإنسان ليس رقماً حسابياً يضاف إلى مجموعة أرقام تدخل عمليات الضرب والقسمة لتخرج نسبة مؤية تنشر ببرودة ولا مبالاة في إحصاءات ورسومات بيانية تصدرها المؤسسة الفلانية أو الموقع الالكتروني لمنظمة كذا وكذا !
إن الذي يموت هو الإنسان، في اللحظات الأكثر براءةً وطهراً ونقاءً ، الكائن المكرم من الله تعالى، وليس رقماً حسابياً يمحى بجرة قلم..
إن ثمود الذين عقروا من قبل ناقة الله، آيته ومعجزته، يعود لعقر البشر.. حياته.. كرامته.. حريته.. إنسانيته.. يساومه على حياته ووجوده بكسرة خبز !

ستكتشف أننا نعيش حرب الجميع ضد الجميع، كما يقول روجيه غارودي في كتابه ( حفارو القبور )..
وكما يقول شكسبير في ( الملك لير ) : هنا العالم الذي يحكم المجانين فيه العميان..
ستكتشف الكثير الكثير..
ولكن عليك أن تبدأ محاولة الخروج من الفقاعة أولاً ، أن تنفلت من أحابيلها وأكاذيبها..
عليك أن تجلس خارجها لتراها على حقيقتها..
فالمرء يرى العالم على حقيقته من خارج تلك الفقاعة !


منقول


الخديعة الكبرى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق